السبت، 1 يوليو، 2017

مقال - القالب الشعري

مقال - القالب الشعري
مقال - القالب الشعري
الحياة كالنهر دائمة التطور والأدب العربي جزء من هذه الحياة المتغيرة والمتبدلة ، والمتتبع لهذا النهر السائر يلاحظ أن تطور الأدب العربي كان شكلاً ومضموناً فهناك أغراض جديدة ظهرت وقوالب جديدة غيرت شكل الشعر العربي. فوقف الناس منه موقف المعجب المنبهر أو الساخط الرافض ، أما نحن كدارسين فلن نؤيد هذه الفئة أو تلك إلا بعد أن نستعرض التغيرات التي طرأت على الشعر العربي من حيث الشكل أي الوزن والقافية.

حافظ الشعراء على الوزن والقافية محافظة كبيرة خاصة في الفترة التي كان تسجيل الشعر فيها يعتمد على الذاكرة.

وترجع بداية التجديد في الشعر إلى العصر العباسي وتجلى ذلك في الموشحات التي نشأت بالأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري حيث كانت الحاجة ملحة إلى لون شعري جديد يواكب الموسيقى والغناء ويتماشى مع طبيعة أهل الأندلس الممتزجي الثقافة. فظهر الموشح الذي تنوع فيه الوزن وتعددت فيه القافية.

- في بداية العصر الحديث حرص المحافظون على قالب القصيدة العربية القديمة من حيث الوزن والقافية. وان ظهرت عندهم بعض الاتجاهات نحو تقليد الموشح الأندلسي كما فعل احمد شوقي في بعض قصائده.

- أما المجددون فقد مالوا إلى التحرر من الوزن والقافية وثاروا على شكل القصيدة التقليدية العمودية.

فماذا نقصد بالقصيدة العمودية أو التقليدية أو الاتباعية؟
إنها تعني قصائد الشعر الجاهلي خاصة المعلقات التي لها طريقة معينة تسير عليها ولا تحيد عنها ، تبدأ بالوقوف على الأطلال أو الغزل ، ثم البكاء على الأحبة الراحلين ، ثم المدح أو الهجاء والوصف وبقية الأغراض الأخرى.


أما في العصر الحديث فأصبحت كلمة الشعر العمودي تعني الطريقة الشكلية العروضية التي اتبعتها القصيدة العربية عبر التاريخ. فالبيت الواحد المكون من شطرين متساويين هو الوحدة الأساسية للقصيدة نلاحظ ذلك في قول ابن زيدون:
أضحى التنائي بديلاً عن تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا 

القصيدة من بحر البسيط وتفعيلاته هي: مستفعلن فأعلن تتكرر بالتساوي في الشطرين إلى نهاية القصيدة.

لكن المجددين ثاروا على هذا الشكل التقليدي  وقد إتخذ تطور الوزن إتجاهين:
1- من الشعراء من إستخدم الأوزان العروضية القديمة مع تصرف فيها وهذا ما نلاحظه في قصيدة الصباح الجديد لأبي القاسم الشابي:
من وراء الظلام وهدير المياه
الأبيات من بحر المتدارك وتفعيلاته هي فاعلن ثماني مرات لكن الشابي لم يستعمل إلا أربع تفعيلات. فاعلن فاعلن في الشطر الأول ونفس الشيء في الشطر الثاني.

2- إلتزم الشعراء بوحدة التفعيلة ولم يلتزموا بعددها في كل بيت فمرة أربع تفعيلات ومرة تفعيلة واحدة وهكذا ، وهذا ما نلاحظه عند الشاعر الفلسطيني سميح القاسم:
يا عدو الشمس..
في الميناء زينات وتلويح بشائر..
وزغاريد وبهجة..
وهتافات وضجة..
يطلق على البيت في الشعر الحديث اسم (السطر) والسطر يتألف من عدد غير ثابت من التفعيلات. فقد إعتمد الشاعر على تكرار تفعيلة (فاعلاتن) بشكل مختلف في كل سطر شعري.

وهذا النوع بالذات أطلق عليه النقاد إسم (الشعر الحر) لكنها تسمية غير دقيقة والأقرب إلى الصواب هو الشعر الحديث أو شعر التفعيلة وهذه التسمية الأخيرة أدق لأن في التحرر من الوزن والقافية عداوة لفن الشعر وميل نحو الركاكة والإسفاف.

لهذا نقول أن الشعر الحديث لم يبتعد كلية عن الشعر العمودي القديم بل أنهما يكادان يلتقيان ويتصافحان ، فشعر التفعيلة مقيد بضوابط كثيرة من حيث الشكل والمضمون. وللتأكد من التقارب الشديد بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة سنتعرف أكثر على شكل القصيدة الحديثة من الناحية العروضية. وقبل ذلك علينا أن نتعرف على مصدر هذا الشعر ، أهو اقتباس من الغرب؟ أم أن جذوره تعود إلى أصول عربية قديمة؟ إن الباحث في تاريخ الشعر العربي يجد بذرة الموسيقى الحديثة (موسيقى التفعيلة) في شعر الموشحات التي تعد إرهاصاً سابقاً لتجديد الموسيقى الشعرية.

خصائص الشعر الحديث:
ركيزة الشعر الحديث هي التفعيلة التي تقوم مقام الشطر وتبقى موسيقى البحر أو الوزن كما هي كل ما في الأمر أن هذه النغمة لم تعد تتمثل في البيت الشعري الذي يحتوي على شطرين متساويين. إنما هي مجموعة تفعيلات قد تقل وقد تكثر في كل سطر حسب الإحساس والنفس الشعري  بالإضافة إلى تنوع القافية وتغير الروي. وينطبق هذا على قصيدة الشاعر الجزائري أبي القاسم سعد الله:
من اللهب الأزرق.
ومن حمرة الشفق.
ولون الدم المهرق.
سيصحو الربيع.
القصيدة من بحر المتقارب لكن الشاعر تحرر من رتابة الأشطر المتساوية والقافية الموحدة والراوي الواحد. وقلة هم الشعراء الذين إستطاعوا أن يضبطوا موسيقى شعر التفعيلة ويتخطوا اللجة وسط هتاف المؤيدين وضجيج المعارضين ومن هؤلاء العمالقة (نازك الملائكة) وسميح القاسم وبدر شاكر السياب  ومحمود درويش  ونزار قباني  والبياتي.

نستخلص إذن أن الشعراء لم يبتكروا بحراً جديداً إنما هو فقط تحرر من الرتابة ومحاولة للخروج عن المألوف.

وهل تحرر الشعراء المعاصرون كلية من القافية ؟ نقول لا. 
وإنما لونوها ونوعوا فيها ولم يلغوها من أشعارهم لأن القافية هي التي تشدنا إلى القصيدة فلا يمكن الإستغناء عنها وإلا خرجنا من دائرة الشعر إلى النثر الفني ، والقافية المتغيرة في شعر التفعيلة هي التي تشد القصيدة بخيط دقيق يجعلنا نعجب لهذا النغم الجديد المتنوع كقول نازك الملائكة:
1
 في دجى الليل العميق
رأسه النشوان القوه هشيما
وأراقوا دمه الصافي الكريما
فوق أحجار الطريق
2
وعقابيل الجريمة
حملوا أعباءها ظهر العمود
ثم القوه طعاما للحود
ومتاعا وغنيمه

القصيدة من بحر الرمل وهذا التلوين في عدد التفعيلات كان حسب توتر الفكرة لدى الشاعرة وحاجتها إلى التعبير وهي لم تستغن عن القافية وإنما غيرتها من سطر لآخر.

وفي الشعر الحديث هناك نغمة الجملة أو المقطع الكامل الذي يقوم مقام البيت الواحد في الشكل والمضمون يبدو ذلك في قصيدة سعيد عقل:

اركض خلف الوطن المسجون
في غابة الأعراس في طفولة الأجراس
استنفر الأهداب والظنون
حول سرير العشب والحصاد
وأسرج الأفراس

وهناك من جعل الجملة الموسيقية رباعية كما لاحظنا في قصيدة نازك الملائكة.
الشعرالمرسل وهي محاولة للتحرر كلية من قيود القافية يظهر هذا في قصيدة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان:
في الليل إذ تنعس روح الوجود
يخطفني شيء وراء الفضاء كأنما يحملني في الخفاء
ضبابة تسير في تيه

الشعر المرسل يصلح للملاحم والشعر المسرحي لأنها تحتاج إلى حرية كبيرة لتصوير الأحداث والشخصيات. والشعر المرسل ما زال نابياً ينفر منه الذوق العربي.

وقد بالغ بعض دعاة التطور في الشعر فتحررا من الوزن والقافية تماما فخرجوا بذلك من دائرة الشعر.

ما زالت قضية تطور الشعر من حيث القالب موضوع دراسات ومناقشات ومهما قيل عنها فقد أكسبت الشعر العربي الحديث تعددا في الأشكال وخصوبة في الأفكار فأصبح مسايراً لنهضة الشعر العالمي.
شارك الموضوع


الكاتب:

قام برفع هذا الكتاب وكتابة هذا المقال أحد أعضاء فريق سوق بوك .. سوق بوك يهدف في الأساس إلى إثراء الشبكة العنكبوتية بالآلف الكتب والمقالات لمن يصعب عليه القيام بشراء الكتب والمقالات كما يهدف لنشر ثقافة القراءة بين جميع الشعوب العربية .. يمكنك أيضاً متابعة سوق بوك من خلال مواقع التواصل الإجتماعي

0 التعليقات: