الجمعة، 30 يونيو، 2017

مقال - تطور التراجم والسير و خصائصهما

مقال - تطور التراجم والسير و خصائصهما
مقال - تطور التراجم والسير و خصائصهما
يبدو الأدب العربي بتنوع فنونه من رسالة إلى مقالة إلى قصة أو مسرحية مثل حديقة غناء توزعت على بساطها الأخضر الجميل ورود وأزهار عطرة تضفي على المكان بهجة وخيالاً ، من بين الفنون التي عطرت ساحة الأدب العربي التراجم والسير.

الترجمة

فن من الفنون الأدبية التي تتناول التعريف بحياة علم من الأعلام له باع (شهرة) في مجال العلم أو الأدب والسياسة ، وذلك بذكر اسمه وكنيته ومولده ونسبه وتعلمه وعوامل نبوغه واهم أعماله ومواقفه ثم وفاته وآثاره.

السيرة

عبارة عن ترجمة مطولة لا تختلف عنها إلا بسبب إمعانها في الطول. مثل سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأبن هشام.

من المعلوم أن فن التراجم والسير فن عالمي معروف في جميع ثقافات العالم. وللعرب فيه إسهام كبير فقد أغرم العرب قديماً بمعرفة الأنساب وتتبع أخبار الوجهاء والعظماء والملوك. فقد نشأ عندهم بفضل الحاجة وليس بفعل التأثر بالأمم الأخرى فتوسع رقعة الدولة الإسلامية والنهضة العلمية والأدبية مست جميع النواحي الفكرية كان لزاماً على الأمة العربية أن تؤرخ لأمجادها ومآثرها مما جعل الكتاب يهتمون بالسير والتراجم التي تسجل حيوات أعلام الأمة وانصب اهتمامهم الأول على الدين الجديد بكل ما يحيط به من أحداث وأشخاص.

لا عجب في أن تستقطب الرسالة الخاتمة إهتمام العلماء فتصدى بعضهم لتفسير القران الكريم وبعضهم لإستنباط أصول الفقه وآخرون لرواية الحديث وبعضهم لمعرفة رواته أما فئة من العلماء فقد عكفت على تتبع حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكانت أول سيرة هي سيرة عبد الملك بن هشام التوفي سنة 213 هـ المسماة (بسيرة الرسول) ثم تلتها سيرة ابن سعد المسماة (الطبقات الكبرى) وفي القرن الثالث الهجري ألف أحمد بن الداية سيرة (أحمد بن طولون ).
وفي مطلع القرن الخامس الهجري صنف أبو النصر العتبي المتوفى سنة 420 هـ كتاباً في سيرة السلطان محمود الغزنوي الذي نشر راية الإسلام في الهند سماه (اليميني) وفي القرن السادس الهجري وضع ابن الجوزي سير عدة عظماء مثل: عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز واحمد بن حنبل.
وقد فاق إهتمام العرب بهذا الفن غيرهم من الأمم الأخرى ، فقد ألفوا عن الشعراء والأدباء والفقهاء والمفسرين والمحدثين والقضاة والنحاة والفلاسفة والأطباء.
فكتب ابن قتيبة (الشعر والشعراء) ترجم فيه لنحو 206 شاعر ممن يعرفهم جل أهل الأدب ويقع الأحتجاج بأشعارهم في النحو وغيره.
وكتاب (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي.
وكتاب (الأغاني) للأصفهاني و (يتيمة الدهر) للثعالبي و(صبح الأعشى) للقلقشندى.  
تختلف التراجم من حيث الطول والقصر الأسباب منها: ثقافة المترجم وأهمية المترجم له وغزارة المادة المتصلة به.
 (ياقوت الحموي) ترجم في كتابه (معجم الأدباء) لحياة أسامة بن منقذ الأمير المجاهد في ستين صفحة وترجم للبعض الآخر في أسطر معدودة.

وقد دعا السخاوي في كتابه (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) إلى تحري الموضوعية والبعد عن الهوى وإلتزام العدل والإنصاف.
كما ألفوا في تاريخ وفيات الأعيان والمشاهير مثل (وفيات الأعيان) لابن خلكان. وهذه التراجم لا تسير على نمط واحد فلكل مؤلف طريقته. وأغلبهم رتب الأعلام حسب حروف المعجم.
إزدهرت التراجم والسير من القرن الثاني إلى القرن العاشر الهجري. ثم عرفت مرحلة من الركود في عصر الضعف.

وكانت السير والتراجم القديمة تفتقر إلى منهجية دقيقة لكنها تتوفر على أهم شروط الكتابة التاريخية. مثل إلتزام الموضوعية في نقل الأخبار والتقيد بالحقيقة تقيداً صارماً والبعد عن الهوى ومعارضة الروايات بعضها ببعض.
وقد كان كتاب التراجم والسير في بادئ الأمر يذكرون أسانيد إخبارهم ومصادرها وفيما بعد أسقطوها مراعاة للإختصار ووصلاً لحوادث التاريخ في العصر الحديث.
ومع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ظهرت طائفة من الأدباء الأفذاذ حملت على عاتقها تطوير هذا الفن خاصة عندما وقع الأحتكاك مع الغرب وحدثت ثورة شاملة في شتى العلوم والفنون ، فأخرجوه من دهاليز الإنحطاط إلى نور الحداثة والتطور فأصبح فناً راقياً يتجاوب وأذواق الناس ليس مجرد نقل للأخبار في غير تبويب ولا تنسيق.

في هذا العصر عادت التراجم والسير القديمة تعرض من جديد في أشكال أنيقة مناسبة للعصر. حيث عمد الأدباء إلى تحليل نفسيات العظماء والأعلام بحثاً عن جوانب العظمة فيها بالإستعانة بعلم النفس وعلم الإجتماع وإلتزام التسلسل التاريخي وعرض الأخبار المتناقضة على التمحيص العلمي والمنطق.
مالت اللغة إلى السهولة والوضوح ولم تعد صعبة مستغلقة وعادت السير والتراجم القديمة تبعث من جديد في حلل جديدة وأطباق شهية محللة وفق ما توصلت إليه العلوم الحديثة لتسليط الضوء على الجوانب الخفية من حياة المترجم له  كما فعل (المازني) في كتابه (حصاد الهشيم) عندما حلل شخصية ابن الرومي والمتنبي وفق آخر نظريات علم النفس. وقد تجسد هذا الإتجاه في السير المؤلفة في الثلث الثاني من القرن العشرين حيث كتب العقاد (عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم)  و (عبقرية عمر بن الخطاب) و (عبقرية خالد بن الوليد) و كتب طه حسين (على هامش السيرة) و (مرآة الإسلام) و (الفتنة الكبرى) حيث إستمدوا حقائق التاريخ من المصادر القديمة والمراجع العتيقة ونوعوا في عرض بضائعهم وبينوا أثر البيئة في هذه الشخصيات وتأثيرها فيما يحيط بها.
كما كتب ابن باديس (عبادة بن الصامت) و (أبو ذر الغفاري) و (هند بنت عتبة)  بالإضافة إلى التراجم الغيرية فقد كتب بعض الأدباء تراجمهم الذاتية مثل أحمد أمين في كتابه (حيلتي) وطه حسين في (الأيام) والعقاد في الكتاب الذي سماه (أنا) وكان للعرب قديما محاولات في الترجمة الذاتية إذ كتب عبد الرحمن بن خلدون ترجمة موجزة لحياته في آخر فصل من كتابه المقدمة.

خصائص الترجمة والسيرة 

1- إيراد الأحداث وفق التسلسل الزمني الاعتماد على المصادر القديمة.

2- نقد الأخبار بعرضها على العقل.
3- عرض الروايات المختلفة إن وجدت.
4- الاعتماد على التحليل النفسي لتفسير المواقف والتصرفات.
5- وبط تصرفات الأشخاص بمحيطهم الاجتماعي والسياسي.
6- اعتماد الأسلوب القصصي مثل طه حسين . مع تحري الموضوعية وتغليب العقل على العاطفة.
إنتشار التراجم والسير لدى أمة من الأمم دليل على إهتمامها بتاريخها وأمجادها وبرهان على تمسكها بأصالتها ورغبتها في بناء مستقبلها دون التنازل عن شخصيتها التي إنصهرت عبر العصور.
من أرخ لمؤمن كأنما أحياه وما غزارة إنتاجنا في التراجم والسير إلا دليل على روح التحدي والصمود عند أمتنا العربية رغم الداء والأعداء ومحاولات التضليل والغزو الفكري.

شارك الموضوع


الكاتب:

قام برفع هذا الكتاب وكتابة هذا المقال أحد أعضاء فريق سوق بوك .. سوق بوك يهدف في الأساس إلى إثراء الشبكة العنكبوتية بالآلف الكتب والمقالات لمن يصعب عليه القيام بشراء الكتب والمقالات كما يهدف لنشر ثقافة القراءة بين جميع الشعوب العربية .. يمكنك أيضاً متابعة سوق بوك من خلال مواقع التواصل الإجتماعي

0 التعليقات: